محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
259
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وصولك إلى اللّه وصولك إلى العلم به وإلا فجلّ ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء . الوصول إلى اللّه تعالى الذي يشير إليه أهل هذه الطريقة هو الوصول إلى العلم الحقيقي باللّه تعالى . وهذا هو غاية السالكين ، ومنتهى سير السائرين . وأما الوصول المفهوم بين الذوات متعال عنه . وقال الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه : « متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير له بمن له شبيه ونظير ، هيهات ! ! هذا ظن عجيب إلا بما لطف اللطيف من حيث لا درك ولا وهم ، ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان » . قال الشيخ أبو حفص عمر بن محمد بن عبد اللّه السهروردي ، صاحب كتاب « عوارف المعارف » رحمه اللّه تعالى : « واعلم أن الاتصال والمواصلة أشار إليهما الشيوخ وكلّ من وصل إلى صفو اليقين بطريق الذوق والوجدان ، فهو رتبة في الوصول ، ثم يتفاوتون ؛ فمنهم من يجد اللّه بطريق الأفعال ، وهو رتبة في « التجلّي » فيفنى فعله وفعل غيره لوقوفه مع فعل اللّه تعالى ، ويخرج في هذه الحالة عن التدبير والاختيار ، وهذه رتبة في « الوصول » . ومنهم من يقف في مقام الهيبة والأنس بما يكاشفه قلبه من مطالعة الجمال والجلال ، وهذا تجلّ بطريق الصفات وهو رتبة في « الوصول » ومنهم من يرتقي إلى مقام « الفناء » مشتملا باطنه أنوار اليقين والمشاهدة معمّى في شهوده عن وجوده ، وهذا ضرب من تجلّى الذات لخواصّ المقرّبين . وهذه رتبة في « الوصول » . وفوق هذا رتبة « حق اليقين » ويكون من ذلك في الدنيا « لمح » وهو سريان نور المشاهدة في كلية العبد حتى تحظى بها روحه وقلبه وهذا من « أعلى مراتب الوصول » . فإذا تحققت الحقائق بعلم العبد مع هذه الأحوال الشريفة أنه في أوّل المنزل فأين الوصول ؟ هيهات ! ! منازل طريق الوصول لا تنقطع أبد الآباد في عمر الآخرة الأبديّ ، فكيف بالعمر القصير الدنيوي ؟ ! ! قربك منه أن تكون مشاهدا لقربه ، وإلا فمن أين أنت ووجود قربه . القرب الحقيقي قرب اللّه منك ، قال اللّه تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [ البقرة : 186 ] وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ [ الواقعة : 85 ] وقال عزّ من قائل : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] . وحظّك من ذلك إنما هو مشاهدتك لقربه فقط فتستفيد بهذه المشاهدة شدّة المراقبة وغلبة الهيبة والتأدّب بآداب الحضرة ، وأمّا أنت فلا يليق بك إلّا وصف العبد وشهوده من نفسك كما يقول المؤلف